أحمد مصطفى المراغي
107
تفسير المراغي
فإنه بشر مثلهم ولا ميزة له عليهم إلا بأن اللّه أوحى إليه ولم يوح إليهم ، ثم ذكر أن خلاصة الوحي علم وعمل ، أما العلم فدعامته التوحيد ، وأما العمل فأسه الاستغفار والتوبة مما فرط من الذنوب ، ثم أردف ذلك التهديد لمن يشرك باللّه ولا يزكى نفسه من دنس الشح والبخل ، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة ، وينصرف إلى الدنيا ولذاتها ، وبعد أن ذكر وعيد الكفار أعقبه بوعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم عند ربهم أجرا دائما غير مقطوع ولا ممنوع . الإيضاح ( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) أي قل أيها الرسول لقومك : ما أنا إلا بشر مثلكم في الجنس والصورة والهيئة ، ولست بملك ولا جنّى لا يمكنكم التلقي منى ، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول ، بل أدعوكم إلى التوحيد الذي دلت عليه الدلائل الكونية ، وأيده النقل عن الأنبياء جميعا ، من آدم فمن بعده ، فأخلصوا له العبادة ، وسلوه العفو عن ذنوبكم التي سلفت منكم ، بالتوبة من شرككم - يتب عليكم ويغفر لكم . ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) أي وخسارة وهلاك لمن أشرك بربه ولم يواس البائس الفقير بشيء من ماله ، يدفع به عوزه ، ويزيل خصاصته ، وأنكر البعث والحساب والجزاء ، وكان يقال : الزكاة قنطرة الإسلام ، فمن قطعها نجا ، ومن تخلف عنها هلك . وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة ، لأن أحب شئ إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه ، فإذا بذله في سبيل اللّه فذاك أقوى دليل على استقامته وثباته وصدق نيته ، وصفاء طويته ؛ وما خدع المؤلّفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا ، بها لانت شكيمتهم ، وزالت عصبيتهم ؛ وما ارتدت بنو حنيفة بعد رسول اللّه إلا بمنعهم للزكاة ،